اعمال اخبار  
. الاخبار » » مساهمات القراء

الحاضر غائباً ... تأملات في الزمن

الحاضر غائباً  ... تأملات في الزمن
بتاريخ : 13/07/2007

وإذا أتيحت لنا فسحة من التأمّل خلال تلك الجولة، نفكّر: كم من الوقت استغرق ذلك كلّه ؟

ولو أنّ الإنسان، قبل أن يقوم بأيٍّ من تلك الأعمال، فكّر بالوقت اللازم لإنجازها، لأُصيب بالإحباط قبل أن يصنع ماصنع .

إنّ النّاس عندما يقومون بعمل ما، لايفكّرون بالزّمان، وإنّما يعملون فيه.

والزّمان لا يشكّل موضوعاً رئيساً لدى الإنسان إلاّ بعد تجاوزه الأربعين، وشعوره بالانكسار حينذاك يتأزّم من أقلّ صدمة يواجهها في الواقع، فنراه يفكّر بوطأة الزّمان.

إنّه يعيش لحظة الصدمة التي تفتح جراحه على ماضٍ طويل، عانى فيه من خيبات متتالية، تستدعي إلى الذّاكرة تاريخاً طويلاً من الآلام، ومن الصراع العنيف مع الحياة، عبر زمان يبدو مُغرِقاً في القِدَم، للإنسان الحزين.

فإذا كان الكهل متفائلاً، يحاول الهروب من ماضيه المخيف، فيصفعه مستقبل يبدو ذا مساحة ضئيلة، وبالتّالي يوشك صاحبه أن يقتنع بانعدام الإمكانات التي يمكن أن تعيد التوازن إلى من أنهكته الحياة.

وتزداد المرارة لدى من يعتقد بأنّ انحلال الجسد نهاية المطاف، ولا جدوى من تحمّل أمراض الشيخوخة، فيتعمّق إحساسه بعبثيّة الحياة، مما قد يدفعه إلى الانتحار تحت وطأة ثقل الزّمان - الذي يبدو، مع الألم، بغير حدود (Unlimited) فيعمد إلى قتله بالطريقة الوحيدة الممكنة: الانتحار… ذلك الفعل الذي يُعدم الزّمان الذّاتي في صاحبه.

وإذا كان الموت موضوع قلق أساسي لدى من يفكّر بالانتحار، وقاوم الفكرة، فإنّه يزجّ بنفسه في حالة جحيميّة لاتنتهي، لأنّه يجزع من الموت الّذي يراه شيئاً يُحيل (الذّات) إلى (عدم) .

أمّا المؤمن الذي يعتقد بالبعث أو بخلود الروح أو بالتقمّص، فإنّه يتفاءل بالمستقبل، عن طريق الموت الذي يعدّه الجسر إلى الأبديّة، به يعبر أدرانه إلى عالم ترفرف الرّوح فيه من غير ألم. وهناك يكتسب استمراراً آخر عبر زمان لاينتهي، أو عبر زمان يكتسب تجدّده باستمرار.

وهذا هو الفرق الجوهري بين المؤمن بالبعث والملحد. كلٌّ منهما يعلم أنّه طارئ على الحياة، ولكنّ الثّاني يعتقد بأنّ روحه تفنى بفناء الجسد، والأوّل يثق بقدرته على التحلّي بالفضيلة استعداداً للتخلّص من أعباء الجسد، لينتقل من زمن تؤطّره الأيّام والسنون، إلى زمن مطلق لانهاية له… أي إلى زمن يفتقر إلى زمانيّته الدنيويّة بعد أن أُتيح له الدخول في عالم الأبديّة ( Eternity ) ؛ في انتظار ذلك، يحاول الإنسان تطوير مستوى حياته عبر الزّمان.

تجلّيات الزّمان

ولكن.. ما الزّمان ؟

هل هو فكرة مجرّدة لاتجسيد لها، أم أنّه مقولة تساعد على تعيين المكان، أو على قياس الحركة؟ وهل هو (كم) يقبل القسمة والتجزيء لذاته أو لسواه، أم هو (كيف) لايتوقّف تصوّره على تصوّر غيره؟

وهل يقتصر معنى الزّمان على تعيين وقت الحدث؟ وهل يمكن الفصل، فيه، بين بُعدَيه الماضي والمستقبل، أم أنّ بينهما تأثيراً متبادلاً لابدّ منه، وإلى أيّ مدى ؟

يلوح لنا أنّ السؤال الأهمّ - هنا - هل تستدعي كلمة (الزّمان) فكرة موحّدة محدّدة إلى الذهن عندما ترد إليه، أم أنّ للزّمان مستويات متعدّدة، وأبعاداً مختلفة، تتنوّع تبَعاً لحالة الّذي يفكّر فيه ؟

عندما يُحكم على مظلومويُبرّأ جانٍ، يلعن النّاس الزّمان. وإذا رأينا معمّراً تحتويه كلُّ أمراض الدنيا ولم يعد يقوى على الحركة، نقول: لقد عفا عليه الزّمان.

وقد نسمع عبارات متنوّعة، في أوقات مختلفة، تضمّ كلمة الزّمان، لكنّها لاتعطي دائماً معنى واحداً لها، كأن نقول: ( زمان الحب - الزّمان الضائع - زمان الحرب - زمان الشدّة - الصّباح - منذ أعوام - ولّى زمانه - زمان الطفولة) .

والزّمان هنا، كما يتّضح من العبارات السابقة، يحمل معانٍ مختلفة، فهناك الوقت، والتاريخ، ومرحلة سياسية، وتوقيت طبيعي، وزمن ذاتي، ومرحلة في حياة الإنسان…

كذلك حين نقول عن المتخلّف : إنسان تجاوزه الزّمان. هل نعني ذلك حرفيّاً، بمعنى أنّه والزّمان في سباق (ماراتوني)، استطاع الزّمان أن يصل قبله إلى خطّ النهاية، أم أنّها عبارة تحمل كناية تدلّ على التخلّف أو التقدّم ؟

من ذلك يتّضح أنّ للزمان تجلّيات تتحدّد من خلال الزاوية التي ننظر منها إليه، وبحسب الموضوع الذي نفكّر فيه.

فهناك الزّمان الموضوعي العام، وزمني الشعوري الشخصي. الأوّل، خارجي، أقيس حركتي به، بوصفه مقياساً منتظماً يتميّز بثبات انتظامه. بينما يكون زمني الخاص متوتّراً متبدّلاً يتكيّف بحسب شعوري الشخصي، إنّه الزّمان المعيش.

ولكن، هل يقتصر الزّمان على نوعين أو درجتين؟ بل إنه يتفرّع إلى أكثر من ذلك بكثير لدى الإنسان الذي يفكّر فيه :

1- الزّمان الذاتي المعيش (Lived time) , وهو ذو دلالة فردية خاصة، يرتبط - بشكل ما - بالزّمان الاجتماعي الجماعي الذي يخصّ فئة ما، أو أمة تتواضع عليه وتعيش في إطاره. وهو يرتبط بالشعور، ويقف بالنّسبة إلى الميت.

2- الزّمان الموضوعي (Objective time) الإنساني العام، بحسب توقيتنا الحالي وفكرتنا العامة عنه… وهو يدخل وعينا بالتعلّم عبر ذاته، أي عبر الزّمان. ويتعلّق بمعلوماتنا عن الكرة الأرضية وحركتها المرتبطة بالكواكب والمجرّات المحيطة. وهو زمن ثابت الاطّراد: ماضٍ، ومستقبل يتحوّل إلى ماضٍ باستمرار… وفكرتنا الأساسيّة عنه نابعة من حاجات الإنسان ودوافعه وحركته الجسمانيّة الّتي تجسّد حركة الزّمان فيه. ويرتبط بأمور هي في نطاق خبرتنا. ومنه ينبثق الزّمان الطبيعي / الايكولوجي: الصباح… الظهيرة… الليل…، كما ينبثق منه الزّمان البيولوجي ومراحل الطفولة والشباب والكهولة…

3- الزّمان الكوني (Cosmic time) الذي يتميّز بحركة ذاتيّة، وهو ذو طبيعة خاصّة لاتتعلّق بسواه، ويسير دائماً إلى الأمام بشكل انسيابي عبر لحظات متتالية (Respective instants) وهو يرتبط بأمور تتجاوز نطاق خبرتنا، وإن تكن في حدود تصوّراتنا .

4- الزّمان المطلق (Absolute time) الذي لانعرف عنه شيئاً وهو ماسمّاه (نيوتن) (Newton) بالديمومة. ولا يمكن أن نتصوّره محدوداً بزمان أو مكان، لأنّه زمان فوق إنساني. يخرج عن نطاق منطقنا وأدواتنا المعرفية. وبكلمات أخرى يمكن أن نقول إنّه الأبديّة التي تتجاوز نطاق تفكيرنا وإدراكنا وخيالنا .

وإذا كنا نوافق (هنري برغسون) بأنّ العقل ينفر من كل شيء سيّال، سنكتفي بالحديث عن الزّمان الموضوعي الإنساني الذي نزعم أنّه كمّ متّصل لايملك جوهراً ذاتياً محضاً، وإنّما نتصوّره في الذّهن من خلال الحركة، فنعدّه وسطاً تجري فيه الحوادث، ونرتّبها بالقياس إليه، من خلال افتراضه مقداراً للحركة التي يشترك معها بعدم قابلية الانقسام، ولهذا فهو تغيّر متّصل لايمكن تجزيئه إلى آنات منفصلة. وهو بالنسبة للحركة في المكان، كالفكر بالنسبة إلى العقل في الإنسان. وإذا كان المكان يتميّز بثلاثة أبعاد (الطول والعرض والعمق)، يحمل الزّمان بعداً واحداً (الامتداد).

وإذا كان الزّمان مجرّد ترتيب لوقت الأحداث بحيث يشكّل (كمّ) الحركة التي تتّجه لتصبّ في الماضي، يكون التفكير في الماضي سفراً ذهنيّاً للتأمّل في الحدث، كما يكون تصوّر المستقبل سفراً لتوقّع حدث ما ، عبر كثافة زمانيّة تشبه الأحلام.

أي إنّ الحدث بالنّسبة إلينا يكون إمّا في مكان ماض، أو في مكان مستقبلي من الزّمان .

ولهذا المكان الزّماني دلالة خاصة تؤكّد ارتباط الزّمان بالمكان، فلا يوجد زمان في لامكان، كما لايوجد مكان في لازمان.

فالزّمان الّذي نتحدّث عنه ويكون ذا معنىً لنا، هو الزّمان الموضوعي الإنساني، والذي لايمكننا تصوّره إلاّ متغيّراً، كالمكان، ولكنَّ - آنه - كوجوده، افتراضية، تماماً كما نفترض وجود نقاط متتالية في المستقيم.

وكي يشكّل الزّمان مقياساً عاماً -كما هو في أذهاننا- لانستطيع أن نربطه بذواتنا الخاصّة حتى لايتحوّل إلى زمان وجوديّ، كالشّعور، لايصلح إلاّ لصاحبه.

فالزّمان، بمعناه العام، مفهوم مجرّد لوجود خارجي… مفصول… وجوده (المفترَض) ليس مشروطاً بوجودي، من النّاحية الموضوعيّة وعلى مستوى التجريد. وعقلي يبقى بعيداً عن الزّمان وبمعزل عنه حين لاأكون في حالة إدراك له (الآن).

والمفارقة - هنا - أنّني حين أفكّر (الآن) في الزّمان، أكون خارج حدّيه (الماضي- المستقبل)، أي إنّني لاأستطيع التفكير في الزّمان حين أكون فيه، ولا بد أن أتجرّد منه- في الآن الذي أفكر فيه به.

أمّا حين أدرك (أنا) الزّمان، يصبح هو إدراكي به، ولا يمكن أن يكون وجوده منفصلاً عني حين أعيه، فـ (أنا) أعيـ(ـه) و أدركـ(ـه) من غير أن أكون محدوداً به لحظة الإدراك، وإنّما أغدو متماهياً (Quiddity) معه.

حين أفكّر في الزّمان، فإنّني، لكي تتمّ العمليّة، لابدّ أن (أضايفه) إليّ، هنا أعبر الفجوة عبوراً علائقيّاً من أجل أن يتمّ الوصال، وكي أجعله يسري بي، وأعي سريانه في نفسي، من غير أن نكون شيئين متباعدَين أو متخالفَين. وحينها لايكون هو ذا معنى لي بعيداً عني، ولا يكون وجودي متحقّقاً من دونه.

وفي الواقع، إنَّ مايهمّنا، هو موقعنا نحن من الزّمان، لاموقع الزّمان منّا، ولا الزّمان المطلق الذي لايمكننا إدراك ماهيّته.

نحن محكومون بالزّمان، نحاول فيه.. ونكبر .. ونشيخ.. وأحكامنا تتغيّر بتغيّره، ويتبدّل فهمنا للقيم من خلاله. ومن هنا تتعاظم أهميّته لدينا .. إنّنا بحاجة إلى استيعابه ووعيه. في حين أنّ جريانه الموضوعي، بمعناه العام، يبقى مستمرّاً بصرف النَّظر عن رأينا فيه، لأنّه لايحتاجنا إلاّ في صبغته الذاتيّة أو بمنحاه الخاص في حياتنا وفي تفكيرنا فيه.

إنّ حركة الأشياء في العالم لاتؤثّر على سيولة الزّمان. فنحن ننام، لكنّ الزّمان لايقف، كما يشير إلى ذلك (اسحق بارو (Isac Barrow .. الحركة قد تقف في الأشياء بشكل نسبي، لكنّ الزّمان لايقف.. الزّمان متحرّك .. وحركته مستمرّة بسرعة ثابتة نسبيّاً، أمّا زمان الحركة فهو متغيّر تَبَعاً لسرعتها .. وهي غير مستمرّة إلاّ في الزّمان .. أي في حركة الزّمان.

الزّمان الذاتي والزّمان الموضوعي مجرّد فكرة لاتوجد إلاّ عبر إضافتها إلى الحركة… حركة الأشياء في المكان، أو حركة الشّعور في النفس…

إنّه ترتيب للحوادث وليس كياناً ذاتياً محضاً، إذ لايمكن أن يكون كذلك إلاّ الزّمان المطلق الّذي يمكن أن نقول عنه، بمعنى ما ، إنّه الأبديّة، أو الدّهر الّذي لايمكن إدراكه أو قياسه، وإنّما نكتفي نحن، في كرتنا الأرضية، بالحديث عن الزّمانين النسبيَّين: العام والخاص، أي الموضوعي والذاتي وحسب. وإذا كان الزّمان الذاتي يأخذ منحى نفسيّاً، تبقى معالجته في إطار علم النفس وأمراضها، والمهم لنا - هنا - هو الزّمان الموضوعي الذي يمكن أن نقيسه إلى الزّمان الكوني العام، تَبَعاً للحركة، حركة الجزء الذي نعرفه من الكون، وبه يمكننا قياس الحركة من حولنا.



وإذا كنّا قد عرّفنا المتخلّف تعريفاً زمانيّاً بقولنا : إنّه إنسان تجاوزه الزّمان، فهذا يعني أنّه مازال يعيش في الماضي غير مدرك أهميّة أبعاد الزّمان.

بتاريخ : 13/07/2007 القراءات : 3072



تعليقات حول الخبر


  .  
 شو يعني:
وين المشكلة .. 
 
   : 08/06/2007 14:18:34

  .  
 عالي طامي الرشيدي:
دكتور جمال طحان كلام رائع وعقلاني جدا ومقنع لأبعد الحدود اتمنى ان تتقبل شكري وتقديري 
 
 السعوديه الأحساء  : 16/10/2007 20:13:44

  .  
 عبد الله الدويك:
مشكور يادكتور جمال فعلا كلام جميل 
 
 الشارقة   : 29/10/2007 20:01:55

.
قراءة في عقلية مليونير
 
قراءة في عقلية مليونير
.
أهم المصطلحات التجارية المستخدمة في عمليتي الاستيراد والتصدير .
 
أهم المصطلحات التجارية المستخدمة في عمليتي الاستيراد والتصدير .
.
قراءة في مهارة تفويض الصلاحيات في مؤسسات العمل (د. عبدالله بن ناجي آل مبارك )
 
قراءة في مهارة تفويض الصلاحيات في مؤسسات العمل   (د. عبدالله بن ناجي آل مبارك )
.
تقنية الحفظ بالتشعيع (حفظ الأغذية باستخدام الأشعة)
 
تقنية الحفظ بالتشعيع (حفظ  الأغذية باستخدام الأشعة)
.
الاستخدام الهادف للانترنت ... عماد الأصفر
 
الاستخدام الهادف للانترنت ... عماد الأصفر
.
التسويق .. بقلم محمد سعيد
 
التسويق .. بقلم محمد سعيد